من السهل جداً على الفلسطيني أن يدّعي أن الصهيونية بطبيعتها أيديولوجيا قمعية وإبادية وعدوانية. لكن ليس هكذا سأبدأ نصّي. فالخطاب الفلسطيني، منذ نشأته، ظلّ مكبّلاً بالشعارات الديماغوجية واللغة القومية الرومانسية. وقد أتاح ذلك انتشار الأفكار، لكن دون تطبيق يتبعها. اليوم نملك المعرفة في متناول أيدينا، ولدينا شتات يتمتع بالامتيازات؛ وهو اجتماع لم يتح لنا من قبل. واجتماع الأمرين يعني أنه لم يعد هناك أي عذر لعدم مراجعة روايتنا بطريقة علمية ومنتجة. وحين يحدث ذلك فقط، قد نرى بصيص أمل في إنهاء معاناة شعبنا. ولا يمكن أن يبدأ هذا إلا بفهم ماهية الصهيونية. يجب أن تبدأ القصة بالصهيونية.
تعود جذور الصهيونية السياسية إلى كتابات يهوديين مؤثرين جاءا من ظروف مختلفة تماماً: ليون بينسكر وتيودور هرتزل. رجلان مختلفان، لكنهما اتفقا على مسائل بعينها: أن اليهود شعب واحد متمايز، وأن اندماج هذا الشعب لن يحلّ أبداً المسألة الاجتماعية المتمثلة في معاداة السامية. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الصهيونية بوصفها حركة جديرة بالإعجاب، تأخذ مصير شعب ومستقبله بيديه. إنها حركة قومية تهدف إلى توحيد اليهود تحت دولة واحدة. قال هرتزل: «نحن ما صنعه منّا الغيتو»١، وقال بينسكر: «التحرر القانوني ليس تحرراً اجتماعياً، ومع إعلان الأول، يظل اليهود بعيدين كل البعد عن التحرر من وضعهم الاستثنائي»٢.
نشر هرتزل وبينسكر آراءهما في فترتين متقاربتين، في «دولة اليهود» (١٨٩٦) و«التحرر الذاتي» (١٨٨٢) على التوالي. كانت تلك حقبة تحرر ليهود أوروبا الغربية. فبعد قرون من الاضطهاد، كان يهود ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة ينالون حقوقهم السياسية كاملة. وقد وُلدت الصهيونية من فكرة أنه حتى مع الحقوق السياسية الكاملة، سيظل اليهود يُنظر إليهم كيهود داخل مجتمعاتهم. فرغم حرية التنقل، كانت قرون من العزل في الغيتوات تعني أن كثيرين سيبقون فيها ولن يبلغوا التحرر الكامل، لأن مجتمعاتهم أجبرتهم على أن يكونوا يهوداً على هامش المجتمع. آمن هرتزل بأن الاندماج محكوم عليه بالفشل، وأن السبيل الوحيد إلى التحرر الحقيقي هو بناء دولة يحكم فيها اليهود أنفسهم بوصفهم أغلبية. وتبدو هذه الفكرة منطقية حين ننظر إلى حركات تحرر أخرى؛ إذ يمكن للتمييز الممنهج أن يبقى قائماً في ظل حقوق سياسية كاملة، كما هو حال الأمريكيين السود اليوم. وهذه الفكرة الانفصالية ليست حكراً على الصهيونية، بل هي سمة شائعة في كثير من حركات الاستقلال القومية. ولم يدّعِ بينسكر والصهاينة الأوائل أنهم يبتكرون شيئاً جديداً، إذ قالوا إن «ما [يسعون] إليه ليس في جوهره جديداً ولا خطراً على أحد»٣.
إذن، ما الصهيونية في ظاهرها؟ إنها الاعتقاد بأن اليهود شعب واحد متمايز أينما كانوا، وأنهم سيظلون مضطهَدين ما داموا غير موحّدين ولا يحكمون أنفسهم. وهذه الصهيونية الطوباوية لا تشكّل تهديداً يُذكر لأحد إذا أُخذت بمعزل عن غيرها. فالمشكلات الأخلاقية تبدأ عند التطبيق. لو أن هذه الدولة اليهودية الافتراضية قامت على أرض لا يسكنها أحد، فمن كان سيعترض عليها اليوم؟ كانت الدول الأوروبية المعادية للسامية بنيوياً ستسعد برحيل اليهود عن بلدانها، وكان أصحاب النزعة الإنسانية سيسعدون بأن جماعة مضطهَدة قد أفلتت من الاضطهاد مرة وإلى الأبد. لو كان الأمر بهذه البساطة، لكان بإمكاني بسهولة أن أصف نفسي بالصهيوني، وربما رأيت في الصهيونية نموذجاً للمضطهَدين. لكن الحقيقة أن الآباء الطوباويين للصهيونية لم يولوا اهتماماً كبيراً لمكان قيام الدولة اليهودية، بقدر ما اهتموا بأن تقوم مهما كان الثمن. فقد تردد بينسكر بين أمريكا الشمالية وفلسطين، ونظر هرتزل في الأرجنتين أيضاً. وأياً يكن، فكما قال بينسكر: «قد تشكّل هذه الرقعة [من الأرض] إقليماً صغيراً في أمريكا الشمالية، أو باشوية ذات سيادة في تركيا الآسيوية»٤. أما العوامل الكثيرة التي أدت إلى اختيار فلسطين إقليماً لهذه الدولة فتتجاوز حدود هذا النص؛ وسأوجزها بالقول إن استعمار فلسطين كان مؤاتياً من الناحية السياسية.
بعد هذا القرار، هذا القرار المصيري باختيار فلسطين، أرضٍ لها شعب، يبدأ الشرخ الأول في الحجر الصهيوني. وبعده يبرز طريقان لحلّ صهيوني لـ«المسألة اليهودية». فقد رأى آرثر روبين، الذي يُلقّب غالباً بأبي الاستيطان الصهيوني، هذا الشرخ الأول، وعبّر عنه في رسالة عام ١٩٢٨:
كما أكدتُ في خطاباتي في عدة مؤتمرات، لم تأخذ الصهيونية المسألة العربية بالجدية الكافية. في البداية، جرى تجاهل وجود العرب أصلاً. ثم خدع الناس أنفسهم لاحقاً بشأن صعوبة المشكلة العربية بالتعويل على آمال واهية. حتى وعد بلفور يفترض أن اليهود سيتمكنون من إقامة وطن قومي في فلسطين دون المساس بأي شكل من الأشكال بحقوق سكان البلاد الآخرين. وعلى النقيض من ذلك، أعتقد أن ثمة تعارضات مصالح خطيرة عدة بين اليهود والعرب. ولا أرى في هذه اللحظة كيف يمكن حلّ تعارضات المصالح هذه بحيث تتاح لليهود إمكانيات الهجرة غير المقيدة والتطور الاقتصادي والثقافي غير المقيد في فلسطين، وهي أمور لا غنى عنها للصهيونية إطلاقاً، دون أن يمسّ ذلك بمصالح العرب.٥
هذه رسالة موجّهة إلى الدكتور هانس كون، الرجل الذي يجسّد الانقسام داخل الصهيونية، والرفض الصريح لواقع تطبيق هذه الأيديولوجيا. لكن قبل أن أصل إليه، يمكننا أن نتعمق أكثر في آرثر روبين. ففي مذكراته عام ١٩٢٨، كتب:
كشفت المحادثة أيضاً من نواحٍ أخرى مدى صعوبة الموازنة بين تحقيق الصهيونية والاعتبارات الأخلاقية العامة. لقد تركتني محبطاً إلى حد ما. هل ستنتهي الصهيونية حقاً إلى شوفينية سطحية؟ أمن المستحيل أن نوفّر للأعداد المتزايدة باستمرار من اليهود في فلسطين مجالاً للعمل دون أن نضطهد العرب؟ أرى صعوبة خاصة في محدودية الأرض. فعمّا قريب سيأتي على الأرجح وقت لا تتوفر فيه أي أرض شاغرة، وكل يهودي يستوطن سيتسبب في إزاحة فلاح [فلسطيني] (باستثناء المنطقة الساحلية، حيث لا تزال هناك مساحة لا بأس بها من الأراضي الصالحة للبساتين). فماذا سيحدث حينها؟٦
بعد أن كان روبين أحد مؤسسي «بريت شالوم» (عهد السلام)، وهي منظمة دعت إلى دولة ثنائية القومية عربية ويهودية، وبعد أن رأى ببصيرة نافذة المأزق الأخلاقي لتطبيق الصهيونية، وجد نفسه أمام خيار. «الأخلاق أو الصهيونية. رأى روبين هذه المواجهة بدقة بالغة واختار الصهيونية».٧
كانت «بريت شالوم» تجسيداً للطريق الآخر للصهيونية الذي لم يتحقق قط، طريق آحاد هاعام. فقد حاولت مجموعة من الصهاينة، منهم يهودا ماغنس ومارتن بوبر وألبرت أينشتاين وهانس كون، أن يعالجوا المأزق الأخلاقي الذي خلقته الصهيونية حين بدأت استعمار فلسطين. رأوا في إهمال الوجود العربي «خطيئة الإغفال الكبرى» و«الخطأ الأساسي» للمستوطنين الأوائل. وردّاً على ذلك، وضعوا برنامجهم الخاص لكونفدرالية ثنائية القومية في دولة واحدة، تمنح اليهود والعرب سلطات وحقوقاً متساوية.
ومع أن «بريت شالوم» ثم منظمة «إيحود» (الوحدة) لاحقاً قدّمتا مقاربة عقلانية وعملية للصهيونية، فإن الطريق ثنائي القومية لم يكن له أي حظ أمام الطريق الجارف المتشدد للصهيونية التصحيحية. فقد رُصف الطريقان على مجموعة الحقائق ذاتها: أن وجود شعب أصلي في فلسطين كان عائقاً أمام الحلم الصهيوني الطوباوي. دعا أنصار ثنائية القومية إلى التعاون، أما التصحيحيون فلا شرح لموقفهم أفضل من قلم أكثرهم تأثيراً: زئيف جابوتنسكي. ففي مقالة بعنوان «الجدار الحديدي» عام ١٩٢٣، هاجم مؤسس منظمة الإرغون الإرهابية الصهاينةَ الذين رأى فيهم اعتدالاً مفرطاً. وكان هذا رأيه في التعاون:
كل شعب أصلي في العالم يقاوم المستعمرين ما دام لديه أدنى أمل في أن يتخلص من خطر استعماره. وهذا ما يفعله العرب في فلسطين، وما سيواصلون فعله ما دامت هناك شرارة أمل واحدة في أنهم سيتمكنون من منع تحويل «فلسطين» إلى «أرض إسرائيل». [...] على الاستعمار الصهيوني إما أن يتوقف، أو أن يمضي قدماً بغضّ النظر عن السكان الأصليين. وهذا يعني أنه لا يمكن أن يمضي ويتطور إلا تحت حماية قوة مستقلة عن السكان الأصليين، خلف جدار حديدي لا يستطيع السكان الأصليون اختراقه.٨
لا يمكن التعبير عن سياسة معاملة الفلسطينيين ككلاب عليها أن تنصاع لرغبات الصهيونية بأبلغ من هذا. على سوط الصهيونية أن يُخضع الفلسطيني الأصلي، وإلا خاطرت بانهيارها. ليست غاية الصهيونية الوحشية لذاتها، لكنها وسيلة ضرورية لبلوغ غاية. ولتحقيق ذلك عليك أن تجرّد «عدوك» من إنسانيته أكثر فأكثر. وكلما سحقته أكثر فأكثر، اشتدت مقاومته. وكلما اشتدت مقاومته، اضطررت إلى اللجوء إلى أساليب قمع أشد وحشية لإسكات النباح. ولعلك، أيها القارئ، تتساءل الآن: كيف يمكن للصهيوني أن يبرر هذا؟ هؤلاء ليسوا أغبياء، وليسوا لا أخلاقيين بطبعهم، فكيف يمكن لأناس عاديين أن يقبلوا بهذا؟ حسناً أيها القارئ، جابوتنسكي لديه الجواب!
إن اعترض أحد بأن وجهة النظر هذه غير أخلاقية، أجيبه: هذا غير صحيح: فإما أن تكون الصهيونية أخلاقية وعادلة، أو أن تكون غير أخلاقية وظالمة. ونحن نرى أن الصهيونية أخلاقية وعادلة. وما دامت أخلاقية وعادلة، فيجب أن تتحقق العدالة، سواء وافق على ذلك يوسف أو شمعون أو إيفان أو أحمد أم لم يوافقوا.
لا توجد أخلاق أخرى.٩
هنا يكمن الجواب عن سؤال روبين: هل ستنتهي الصهيونية حقاً إلى شوفينية سطحية؟ الجواب، بلا مواربة ودون أدنى لبس... نعم. لا يوجد طريق آخر. فالطريق الآخر قد دُفن. طريق التعاون العربي اليهودي تحت المظلة الصهيونية قد دُفن. ولتحقيق السلام والتعاون بين الفلسطينيين واليهود، يجب التخلي عن الصهيونية. لا يوجد طريق آخر. لا يوجد طريق آخر. إن الوضع الراهن في إسرائيل ليس تطرفاً في الصهيونية. إنه الشكل الطبيعي للقومية المتطرفة الفاشية التي كان لا بد أن تنشأ عن اضطهاد شعب آخر، وعن الحلقة المفرغة من تصوير الذات كضحية التي تلت ذلك. لقد أُنشئت لحماية اليهود بطريقة خلقت «عدواً»، وهذا العدو يغذّي باستمرار الحاجة إلى دولة يهودية حصرية، تواصل بدورها تبرير مزيد ومزيد من الاضطهاد. وسيستمر هذا في التشعّب إلى أن يقتلوا جميع الفلسطينيين أو تنهار الصهيونية نفسها. هذا هو الجواب عن سؤال روبين. والمحبط أن الجواب كان أمام عيني روبين؛ فالرجل الذي كان يراسله، كون، قاله بوضوح شديد في الثلاثينيات! «ستظل هذه الدولة الصغيرة مدججة بالسلاح في وجه النزعة الاستردادية من الداخل و“الأعداء” من حولها. ولأنها تدرك ضعفها، ستبقى دائماً بؤرة لقومية مغالية».١٠
إن أكبر معركة ضد الأيديولوجيا الصهيونية هي هذه: فكرة أن أفعال إسرائيل المُدانة عالمياً منفصلة عن الأيديولوجيا الصهيونية. فكرة أن أمن اليهود يجب أن يتحقق مهما كان الثمن ومهما بلغ الدمار، لأن ذلك هو الصواب. فكرة أن محو الفلسطيني ضروري لتقرير المصير اليهودي. وهذا غير صحيح. أؤمن من كل قلبي بأن اليهودي الإسرائيلي العادي سيواجه في نهاية المطاف هذا التناقض الأخلاقي الهائل، وسيأتي وقت لا يعود يقبل به. ثمة طريق إلى تقرير المصير اليهودي لا ينطوي على كل هذا؛ فالصهيونية ليست شرطاً لتقرير المصير اليهودي، بل هي إحدى الصور التي عبّر بها عن نفسه.
ولهذا عانيت في فهم مدى اختلاف نظرة العالم إلى الصهيونية عن نظرتي الفلسطينية. هل الناس مقتنعون بهذه الحاجة شبه الخيالية إلى تحقيق الصهيونية، وكأنها معركة بين خير العالم وكل ما هو شرير؟ هل نحن قوة الشر في هذه المعركة التي على العالم أن يخوضها؟ هل يؤمن الناس حقاً بأنه لا توجد أخلاق أخرى؟ ليس جابوتنسكي شخصية هامشية في الثقافة الإسرائيلية، ولا يُنظر إليه كجزء مخجل من التاريخ الإسرائيلي. فالتاسع والعشرون من شهر تموز العبري هو المناسبة الوطنية المعروفة بيوم جابوتنسكي. وجابوتنسكي هو اسم الشارع الأكثر انتشاراً في إسرائيل. و«بيت جابوتنسكي» هو المبنى الذي يضم موظفي حزب الليكود؛ وكان قبل ذلك مقراً للإرغون. هذه هي الصهيونية التي أعرفها، الصهيونية التي شرحها لي الصهاينة أنفسهم. لا شيء من هذا كشفٌ لخفايا الأيديولوجيا؛ لم أضطر إلى النبش في أكوام الأرشيف في زاوية مظلمة من المكتبة البريطانية لأجده. كل هذه معلومات متاحة ومجانية، قدّمها لك الصهاينة أنفسهم. والأهم أن كل هذه الأفكار انعكست باستمرار في الفعل الصهيوني. وأظن أنك ستجد صعوبة في العثور على فلسطيني واحد فوجئ بالوحشية في غزة اليوم. ربما تجد من فوجئ بمدى صراحتهم ووضوحهم في إعلان نواياهم؛ فلطالما حاولت الصهيونية تغليف التطهير العرقي، لكنها اليوم لا تبدو مكترثة بذلك. ليس الأمر أن كل فلسطيني يحفظ «الجدار الحديدي» لجابوتنسكي عن ظهر قلب، فمعظمهم لم يسمعوا به قط. بل ثمة فهم للصهيونية راسخ في وعي كل الفلسطينيين، مفاده أن استمرار المشروع الصهيوني يتطلب إخلاءنا الكامل من فلسطين. أو، إن شئنا حسن الظن، لا يتطلب الإخلاء الكامل، بل قدراً من التهجير يكفي لجعل الفلسطينيين أقلية يمكن السيطرة عليها. سمِّه حرباً أو تطهيراً عرقياً أو إبادة جماعية... اختر التسمية التي تشاء، فالهجوم على غزة هو التجسيد المادي للصهيونية التصحيحية.
وهذا يفسّر أيضاً سؤالاً يُطرح على الفلسطينيين دائماً: «هل لإسرائيل الحق في الوجود؟». فالسؤال المطروح والسؤال الذي تتم الإجابة عنه سؤالان مختلفان تماماً. ففي قلب الفلسطيني ظلمٌ أساسي وهائل وقع عليه بقيام إسرائيل (ظلم مستمر حتى اليوم)، حتى إن الجواب الفوري النابع من الأعماق هو: لا. فالسؤال كما يُفهم هو: هل تهجير شعبك مبرَّر بسبب محنة الشعب اليهودي؟ أما السؤال المطروح فلا ينظر إلى الصهيونية بهذه العدسة؛ بل ينظر إليها بالعدسة الصهيونية. إنه سؤال عن تقرير المصير اليهودي، وعن معاداة السامية، وعن الهولوكوست، بغضّ النظر عمّا ارتُكب لتحقيق ذلك الأمان للشعب اليهودي. لا أكتب هذا لأدّعي أن كل فلسطيني على خُلق كامل ومُلمّ تماماً بالتاريخ اليهودي بأكمله. الفلسطينيون بشر كغيرهم، وكما يوجد بريطاني أو أمريكي معادٍ للسامية، يوجد فلسطيني معادٍ للسامية. أكتب هذا لأشرح الفجوة الهائلة في التواصل حين تُطرح مثل هذه الأسئلة، وكيف تُفسَّر الإجابة عادة للوصول إلى استنتاج أن غالبية الفلسطينيين معادون للسامية. ومع ذلك، من المهم التمييز بين سياسات أوروبا الممنهجة المعادية للسامية على مدى قرون، و«رهاب اليهود» بوصفه تحيّزاً لدى أفراد في العالم العربي. فمعاداة السامية أيديولوجيا مستوردة أُدخلت إلى الشرق الأوسط، وليست من سماته.
إن أيديولوجيا لا يمكن أن تستمر إلا بقبضة حديدية ستنهار في النهاية. فالشروخ ظاهرة منذ تطبيقها، ومن واجب الفلسطيني أن يستعيد زمام المبادرة ويدفع هذه الشروخ إلى الاتساع. كانت فكرة هرتزل الأولى إنقاذ اليهود من دوامة الاضطهاد، لكنه أخفق في أن يفهم، أو لم يكترث، أنه سيفعل الشيء ذاته بشعب آخر. ستسقط الصهيونية بالإنهاك؛ ستواصل الشروخ الأخلاقية زحفها البطيء في عقول أتباعها إلى أن لا يبقى في الأيديولوجيا ما يكفي من المضمون لتستمر. وواجب الفلسطيني الآن هو البناء لمستقبل الجميع. من سيكون هناك في اليوم التالي لسقوط الصهيونية؟ من سيكون هناك ليبني من الركام؟ ولتحقيق ذلك يجب أن تقودنا المبادئ الإنسانية، وأن ننتظم لنعمل بحكمة وصبر.
في نهاية المطاف، فقد هانس كون أوهامه كلياً، لا تجاه الصهيونية التصحيحية فحسب، بل تجاه صانعي السلام الفاشلين في «بريت شالوم» و«إيحود» أيضاً. أود أن أخصص جزءاً من هذا النص لإلقاء الضوء على رحلة كون، من أجل أي صهاينة يقفون على حافة الصهيونية، على أمل أن تلامس رحلته مشاعر الصهاينة الذين يقفون على الهامش اليوم. كان كون صهيونياً ملتزماً ومستوطناً مبكراً، وصل إلى فلسطين عام ١٩٢٥ وعمل في «كيرن هايسود» (الصندوق التأسيسي للمنظمة الصهيونية). تغيّرت نظرته إلى العالم ببطء، وبدأ التغيير بأمل في إصلاح الصهيونية. فبعد أحداث عام ١٩٢٩، أو ثورة البراق، أمل أن تجبر هذه الأزمة الحركة الصهيونية على تغيير نفسها. وكتب إلى يهودا ماغنس عام ١٩٢٩:
أخشى أن الحركة الصهيونية ستسلك مرة أخرى الطريق الخطأ، الطريق الذي تسلكه كل الحكومات والأمم... أخشى أن أصدقاءنا لا يفهمون الوضع الحقيقي: نحن أمام «ثورة وطنية» لشعب مضطهَد. إن الجموع العربية تقاتل من أجل أمة، أو من أجل فكرة-مثال قومي، تماماً كما فعل شعبنا، أو كما فعل الشين فين. ولم يبقَ الآن سوى طريقين: فإما أن نضطهد العرب ونبقيهم خاضعين باستعراض دائم لقوة عسكرية جبارة، أي عسكرة استعمارية وإمبريالية من أسوأ الأنواع، وإما أن تكتشف الصهيونية في النهاية وجهها الحقيقي، الذي لا علاقة له بالدولة أو الأغلبية أو السلطة السياسية..... علينا جميعاً أن... نبذل كل ما في وسعنا لإيجاد طريق إلى العرب، ولتغيير وجه الصهيونية كلياً في ضوء السلمية ومناهضة الإمبريالية والديمقراطية، وهذا يعني روح اليهودية الحقة. علينا الآن أن نُظهر كل نظافة [كذا! أي نقاء] تفكيرنا، وأن نبقى موضوعيين محايدين، وألا نخضع لغريزة القطيع.
لقد حانت ساعتنا العظيمة! أودّ أن نعمل معاً. لم أكن قط متحمساً كما أنا الآن، أشعر أن الأمر يمسّ جذور وعيي الإنساني كله. إن ترددنا ولو قليلاً، أشعر أن الصهيونية الحقة ستضيع!١١
وتبع ذلك سريعاً استقالته (القسرية) من «كيرن هايسود» وتخلّيه عن الصهيونية. كان هذا القرار ثمرة تأمل شخصي وأخلاقي طويل، لكنه جاء أيضاً تحت ضغط عوامل خارجية. فقد تعرّض كون إلى «تحريض لا يمكن تصوره» بسبب انتقاده الصريح لسياسة القبضة الحديدية في فلسطين. وكتب في يومياته أنه «لو كان للناس هنا السلطة، لحاكموني بتهمة الخيانة».١٢ وفصّل دوافعه لترك المنظمة الصهيونية، ولم يتردد في قول ما يراه في الصهيونية:
في الآونة الأخيرة، أدركت أكثر فأكثر أن السياسة الرسمية للمنظمة الصهيونية ورأي الغالبية العظمى من الصهاينة لا يتوافقان إطلاقاً مع قناعاتي. ولذلك أشعر أنني لم أعد أستطيع البقاء مسؤولاً قيادياً في المنظمة الصهيونية. إن الصهيونية التي ناصرتها منذ عام ١٩٠٩ لم تكن سياسية في أي وقت. لقد نظرتُ أنا ومجموعة من أصدقائي إلى الصهيونية بوصفها حركة أخلاقية وروحية نستطيع من خلالها تحقيق أعمق قناعاتنا الإنسانية: سلميتنا وليبراليتنا وإنسانيتنا. [...] كان يُفترض أن تكون صهيون المكان الذي نحقق فيه تطلعاتنا الإنسانية.
إن واقع الحركة الصهيونية والاستيطان اليهودي في فلسطين بعيد كل البعد عن هذا كله. تعلم أنني خضت لسنوات معركة من أجل تلك الأفكار التي كانت تمثّل بالنسبة لي جوهر معنى الصهيونية. وفي النهاية تمحورت هذه الأفكار حول ما يسمى «المسألة العربية». فصارت هذه المسألة بالنسبة لي المحكّ [الأخلاقي] للصهيونية. غير أن هذا الاستنتاج لم يكن نابعاً من أي تعاطف خاص مع العرب أو تقدير مبالغ فيه لمزاياهم. لم يكن همّي العرب، بل اليهود، ويهوديتهم، وتأكيد [قيمهم] الإنسانية. وقد اتضح لي للأسف، أكثر فأكثر، أن المنظمة الصهيونية قد فشلت في هذا الصدد فشلاً ذريعاً. وكانت التجربة الحاسمة الانتفاضة الوطنية العربية في آب ١٩٢٩...
تظاهرنا بأننا ضحايا أبرياء. ... لكن علينا أن ننظر في الأسباب العميقة لهذه الثورة.... إن الحركة الوطنية العربية تنمو وستواصل النمو. وبعد وقت قصير، سيكون التوصل إلى اتفاق أصعب بكثير مما هو عليه اليوم. ولن تجعل زيادة أعدادنا بعشرات الآلاف الأمر أيسر. أعتقد أننا سنتمكن من الاحتفاظ بفلسطين ومواصلة النمو لزمن طويل. سيتم ذلك أولاً بمساعدة بريطانية، ثم بمساعدة حرابنا نحن، التي تُسمّى زوراً «هاغاناه» [أي الدفاع]... لكننا حينها لن نستطيع الاستغناء عن الحراب. ستكون الوسيلة قد حددت غايتنا. ولن يبقى في فلسطين اليهودية شيء من صهيون التي جازفت بنفسي من أجلها ذات يوم.١٣
بعد عام واحد، قطع صلته بـ«بريت شالوم» أيضاً. وكان ذلك إيذاناً بفقدانه الإيمان بالصهيونية كلياً. فقد فقد كل ثقة في أساليب «بريت شالوم» الفاترة لتحقيق السلام، وابتعد أيديولوجياً عن رؤية ثنائية القومية. وعارض تماماً فكرة إنشاء أغلبية يهودية في فلسطين، بينما لم ترَ «بريت شالوم» في تلك الخطوة أي إشكال. هذا رجل سبق عصره وطواه التاريخ. وآمل أن يُلهم سردي الموجز لقصته الجيل الجديد من الصهاينة ليروا قصور الصهيونية، إن لم يكن من منظور إنساني، فبوصفها حركة قومية لليهود غير قابلة للاستدامة.
حين بدأت كتابة هذا النص قبل سنوات، كنت قومياً، كنت قومياً فلسطينياً. أما الآن فأدرك أن القومية طريق مضلِّل. وكما كان سيقول باسل الأعرج، ثمة ثنائية واحدة في هذا العالم، وثنائية واحدة في هذا الصراع: المظلوم والظالم. إن لم تكن مع المظلوم، فأنت تعين الظالم. لا يوجد يهودي وفلسطيني، يوجد فقط المظلوم والظالم. كثير من الفلسطينيين أدّوا دور الظالم على فلسطينيين، وكثير من اليهود اليوم يقفون علناً وبشجاعة مع المظلوم. والطريق الوحيد نحو الحل يبدأ بالتخلي عن القومية السياسية. وحين أتحدث عن القومية، لا أقصد الوطنية وحب المرء لثقافته وأصوله واحترامها. بل أقصد الحالة الذهنية التي يكون فيها ولاء الفرد فوق كل شيء ولاءً أعمى لدولته القومية (الاعتباطية). أقصد العقيدة السياسية المبتكرة المسماة القومية. فالقومية، على عكس الوطنية، قد تتطور سريعاً إلى إيمان بتفوق أمة المرء. وتفوق أمتك «الطبيعية» سرعان ما يتحول إلى كراهية الأمم الأخرى. والكراهية وحدها لا تصنع برنامجاً، كما قال فرانز فانون.
إن فهم الصهيونية مزيج من أمور كثيرة. يجب أن ينطوي على تعاطف مع محنة يهود أوروبا، مع إدراك أنهم خططوا لحل مشكلاتهم دون أي اعتبار لما سيترتب على ذلك من عواقب علينا. ويجب أن ينطوي على فصل بين تلك الفكرة في ظاهرها والوحشية اللازمة لتطبيقها، ولكن دون فصل الأيديولوجيا عن الجرائم التي ارتُكبت لتحقيقها. لقد كانت استعماراً بغطاء أخلاقي، لكنها استعمار مع ذلك. ويجب إدراك أنها تختلف عن أي شكل آخر من الاستعمار، حيث يكون وجود السكان الأصليين معروفاً ويُسعى إلى استغلالهم كطبقة عاملة. فعلى العكس من ذلك، الصهيونية شكل من الاستعمار يشعر بالتهديد من مجرد وجود السكان الأصليين، ولذلك لا بد أن يلجأ إلى العدوان للتخلص من هذا التهديد. ثم يزداد الأمر تعقيداً حين نأخذ في الاعتبار وضع اليهود المزراحيين الذي يُغفَل دائماً. ولا يمكن إغفال أن الصهيونية أيضاً، أولاً، حركة قومية يهودية. ولذلك، من المهم ألا نقع في فخ حصر الصهيونية في مفاهيم أبسط كالتشبيهات؛ فلا شيء يماثل هذه الأيديولوجيا، ولا كل ما حدث باسمها، ولا كل ما حدث في مقاومتها. إن فلسطين في نظري هي الذروة الراهنة التي يمكن عندها دراسة القومية وحقوق الإنسان والحرية وتقرير المصير، لأنها (كما قال إدوارد سعيد) لا يمكن تبسيطها. وتحت هذه العدسة وحدها يمكن فهم الهوية الفلسطينية. وتحت هذه العدسة وحدها أستطيع أن أبدأ بشرح هويتي الفلسطينية لك، لكن ذلك موضوع نص آخر.
المراجع
- تيودور هرتزل، «دولة اليهود» (١٨٩٦). ↩
- ليون بينسكر، «التحرر الذاتي» (١٨٨٢). ↩
- ليون بينسكر، «التحرر الذاتي» (١٨٨٢). ↩
- ليون بينسكر، «التحرر الذاتي» (١٨٨٢). ↩
- آرثر روبين، رسالة إلى هانس كون (١٩٢٨). في: Arthur Ruppin: Memoirs, Diaries, Letters (1896–1919): Early Years of the Palestine Office. ↩
- آرثر روبين، مذكرات (١٩٢٨). في: Arthur Ruppin: Memoirs, Diaries, Letters (1896–1919): Early Years of the Palestine Office. ↩
- يوميات هانس كون، ٨ أيلول ١٩٢٩، HKC، الصندوق ١٨، الملف ٤. ورد في: Adi Gordon, “‘Nothing but a Disillusioned Love’: Hans Kohn’s Break with the Zionist Movement,” in Ezra Mendelsohn, Stefan Hoffman and Richard I. Cohen (eds.), Against the Grain: Jewish Intellectuals in Hard Times, chapter 8. ↩
- زئيف جابوتنسكي، «الجدار الحديدي» (١٩٢٣). ↩
- زئيف جابوتنسكي، «الجدار الحديدي» (١٩٢٣). ↩
- هانس كون، رسالة إلى روبرت فيلتش، ٢١ نيسان ١٩٣٠، البكرة I. ورد في: Adi Gordon, “‘Nothing but a Disillusioned Love’: Hans Kohn’s Break with the Zionist Movement,” in Ezra Mendelsohn, Stefan Hoffman and Richard I. Cohen (eds.), Against the Grain: Jewish Intellectuals in Hard Times, chapter 8. ↩
- هانس كون، رسالة إلى يهودا ل. ماغنس، ٢ أيلول ١٩٢٩، الأرشيف المركزي لتاريخ الشعب اليهودي (CAHJP)، القدس، P3/2665. ورد في: Adi Gordon, “‘Nothing but a Disillusioned Love’: Hans Kohn’s Break with the Zionist Movement,” in Ezra Mendelsohn, Stefan Hoffman and Richard I. Cohen (eds.), Against the Grain: Jewish Intellectuals in Hard Times, chapter 8. ↩
- يوميات هانس كون، ١٧ تشرين الأول ١٩٢٩، HKC، الصندوق ١٨، الملف ٤. يشير كون هنا إلى هجوم موازٍ (وإن كان أخف) على هوغو برغمان إثر مقاله «الحدث في القدس» على الصفحة الأولى من صحيفة «براغر تاغبلات» في ٢٨ آب ١٩٢٩. ورد في: Adi Gordon, “‘Nothing but a Disillusioned Love’: Hans Kohn’s Break with the Zionist Movement,” in Ezra Mendelsohn, Stefan Hoffman and Richard I. Cohen (eds.), Against the Grain: Jewish Intellectuals in Hard Times, chapter 8. ↩
- هانس كون، رسالة استقالته من المنظمة الصهيونية. ورد في: Adi Gordon, “‘Nothing but a Disillusioned Love’: Hans Kohn’s Break with the Zionist Movement,” in Ezra Mendelsohn, Stefan Hoffman and Richard I. Cohen (eds.), Against the Grain: Jewish Intellectuals in Hard Times, chapter 8. ↩
اضغط على الصورة للعودة للصفحة الرئيسية