حمزة العقاد – ٨\٩\٢٠٢٦ – لندن

كثيرًا ما قد تسأل شابًا في العشرينيات من عمره: ما طموحك؟ ما هي أهدافك المباشرة؟ فيجيب دون أن يتردد لحظة: "أريد أن أتزوج". وقد تُحسن الظن وتقول إن من الجميل أن يريد بناء أسرة خاصة به ورعاية أبناء، لكن ما يكمن خلف كلمة "الزواج" هو في الحقيقة: "أريد أن أمارس الجنس". كثيرًا ما عدت إلى بلدي قادمًا من لندن، فيسألني أصدقاء بالغون لم يغادروا بلهفة طفولية وفضول بريء، كيف هو شعور ممارسة الجنس. الهدف من هذا المقال هو مناقشة علاقة كثير من الناس بالجنس في العالم العربي، والآثار المدمرة والمتشابكة التي يخلفها ذلك على المجتمع.

تمهيدًا، ولتبديد أي تحيز قد تظنه في كتابتي، سأصرّح ببعض العبارات بوضوح. أنا لست ليبراليًا، ليس بالمعنى الذي تحمله هذه الكلمة في عام ٢٠٢٦. ولست عربيًا كارهًا لذاته يردد شعارات عامة عن الليبرالية الغربية وكأنها الحل لكل شيء، وأن عدم تقليدنا لهم هو سبب تخلفنا. أنا ضد الإباحية لأنها مضرة بالرجل والمرأة على حد سواء، والرابحون الوحيدون منها هي الصناعات التي تستغل الرجال ضعيفي الثقة بالنفس والنساء اللاتي يدفعهن العوز الاقتصادي، وهم من يُبقون هذه الصناعة قائمة. والمقصود هو أنني أقف في مكان ما بين النظرة الإباحية الغربية المفرطة في التحرر، والنظرة القمعية للعالم العربي. هذا وصف أدق لموقفي وأنا أكتب هذا المقال.

سيتناول هذا المقال النقاط الثلاث التالية.
  1. الجنس أعلى الحاجات وأكثرها مخزية
  2. الهوس بالعذراء وتجريد المرأة من إنسانيتها
  3. الغموض الأخلاقي المحيط بالرضا والاغتصاب

كما أدعو من يقرأ هذا المقال ويختلف معه، أن يتذكر أن "شجون" منصة يقودها المجتمع، وأنه إن كتب ردًا يخالفني الرأي باحترام ويوضح أسباب ذلك، فسيُنشر.

١ - الجنس أعلى الحاجات وأكثرها مخزية

هذا المستوى من الكبت حول الجنس، الناتج عن عار شديد من مجرد التفكير فيه والحديث عنه، إلى جانب الآثار الحقيقية والخطيرة المترتبة على ممارسته خارج إطار الزواج (اجتماعيًا وجسديًا وقانونيًا في بعض المناطق)، يخلق هالة من الغموض والسحر حوله. ما هذا العظيم الذي يمنعونني من معرفته؟ وبما أن الزواج يحتكر الجنس، وبالتالي يحتكر (على ما يُفترض) أعظم شيء لا يمكنك حتى تخيل الشعور به، فمن المنطقي أن يكون كثير من الشباب متحمسين جدًا للزواج.

والمشكلة أنه في الواقع، "الجنس، كأي متعة أخرى، سرعان ما يبلغ ذروته ثم يبدأ في فقدان قدرته على الإشباع كلما ازداد الانغماس فيه. فأنت هنا تأخذ حاجة حيوانية محدودة، مثل الطعام أو النوم، وتمدّها إلى ما وراء حدودها الطبيعية [...] فحاجاتنا الحيوانية تقع في أدنى درجات سلّم الاكتمال. وهي الأقل أهمية من حيث إنسانيتنا، ومن حيث إمكاناتنا البشرية."

هذا اقتباس من عمر النجارين في محاضرة عن الشهوة. الفيديو الكامل أدناه.

يناقش هذا الفيديو علاقة الغرب الليبرالي بالجنس. نحن نعتقد أن علاقتنا بالجنس عكس علاقة الغرب به، لكن هذا غير صحيح. فأهل الغرب أيضًا يعانون من قلق بسبب الجنس، وإن كان بشكل مختلف. ويلخص رولو ماي ذلك جيدًا في كتابه الحب والإرادة: "كثير من الطلاب المعاصرين، القلقين بشكل مفهوم بسبب حريتهم الجنسية الجديدة، يكبتون هذا القلق ('ينبغي للمرء أن يحب الحرية') ثم يعوّضون عن القلق الإضافي الذي يسببه هذا الكبت بمهاجمة السلطات على منحهم مزيدًا من الحرية."

"إن ما لم نره في نظرتنا الليبرالية القاصرة تجاه الجنس هو أن إلقاء الفرد في بحر لا حدود له من الاختيار الحر لا يمنحه الحرية في حد ذاتها، بل يزيد على الأرجح من الصراع الداخلي. فالحرية الجنسية التي كُرّسنا لها قصّرت عن أن تكون حرية إنسانية كاملة."

إذن، لدينا المشكلة ذاتها التي يعاني منها الإنسان الغربي عادة، وهي وضع الجنس في مرتبة عالية جدًا في سلّم الحاجات. وما نملكه فوق ذلك هو عار اجتماعي مفرط حول الجنس. نحن بحاجة إلى الضابط لا إلى العار المصاحب له. أن نتمكن من النمو داخل أنفسنا ضمن العلاقات، لكن دون أن نُترك في صندوق رمل بلا حدود يدمر روحنا ويُشيخ نفوسنا عبر الجنس العابث.

كانت هناك فرقة أردنية تُدعى "ميراج"، ضمّت ثنائيًا من زوج وزوجة هما وائل وعايدة أبو نوار. اقتُحم منزلهما وسُرّب فيلم إباحي خاص بهما وانتشر في أنحاء العالم العربي. كان ذلك نهاية الفرقة، وأعتقد أن وائل وعايدة اضطرا لمغادرة البلاد.

كانا متزوجين، وكان الفيلم خاصًا بهما وسُرق منهما. ومع ذلك كانت فضيحة. وهذا يفتح بابًا لنقاش آخر حول نظرة العالم العربي إلى الإباحية، لكن ذلك يتجاوز نطاق هذا المقال حاليًا.

والمقصد الآن هو أن هذا المزيج بين تعظيم الجنس بوصفه أكثر الأفعال إشباعًا، وفي الوقت نفسه اعتباره أمرًا مخزيًا للغاية، يخلق صراعًا حادًا في ذهن المرء. لقد تحدثتُ من منظور الرجل لأن هذه هي الرؤية التي أملكها، لكن لا يسعني إلا أن أتخيل أن هذا الصراع الذهني، بالنسبة للمرأة العربية، يتضاعف بمقادير هائلة، وهو ما يقودني إلى نقطتيّ التاليتين.

٢ - الهوس بالعذراء وتجريد المرأة من إنسانيتها

ينشأ هنا صراع ذهني آخر. فالمرأة العربية هي في آنٍ واحد الأكثر احترامًا والأقل احترامًا. لا تُقيَّم المرأة العربية بناءً على قيمها أو شخصيتها أو ما قد تضيفه للمجتمع. بل تُقيَّم بعفتها الجنسية، حتى تُمنح شرعيًا للزواج، عندها فقط تكتسب قيمة بوصفها أمًّا. تُعفى بشرف من واجب العفة الجنسية عبر الزواج، لتتولى الواجب التالي. وأي امرأة تحيد عن هذا المسار تفقد قيمتها فورًا.

عفتها ليست مقياسًا لشرفها وحدها، بل لشرف أسرتها أيضًا. تخيّل الآن العار المجتمعي الذي وصفته، لكن مع ضغط إضافي هو ألا تُغفر لها زلة أبدًا. هذا ما يخلق هوسًا بالعذراء في مجتمعنا. وبطبيعة الحال، الافتراض هو أن كل امرأة غير متزوجة عذراء، وأن اللواتي تنكشف قصصهن فقط هن من يستحققن العار والنبذ.

هذا الوجود الثنائي للمرأة مجرِّد من الإنسانية. وأعني ذلك حرفيًا. لا وصف أبلغ من وصف الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان، في سيرتها الذاتية رحلة جبلية، رحلة صعبة. تصف هذا الشعور في بيتها، قبل محاولتها الانتحار: "كنت أعيش معزولة عن عالم الناس، بينما أنوثتي تئنّ كالحيوان الجريح في قفصه، لا تجد لها منتفساً مهما كان نوعه [...] فالعالم الخارجي كان (تابو) محرماً على نساء العائلة. [...] كانت الدار أشبه بحظيرة كبيرة تملؤها الطيور الداجنة يلقي إليها بالعلف فتزدرده دون نقاش، راضية قانعة به، وكان ذلك غاية الغايات ونهاية النهايات ."

مع هوس البكارة تفقد المرأة إرادتها. فمن خلال الحماية المفرطة والتحصين، تذبل الروح شيئًا فشيئًا. وبرفض مجتمعنا إشراك المرأة بسبب هذا الهوس، لا يمكنها أبدًا أن تحقق ذاتها. "كنت أعي ذاتي، وكنت على وعي بأن الذات لا تتكامل إلا في الجماعة. وكانت الجماعة هناك، وراء الجدران التي تحاصرني، وبينها وبيني مسافة قرون طويلة من عالم الحريم. "

والخروج عن نطاق ما هو مقبول، هو وضع النفس طوعًا في خطر مباشر.

٣ - الغموض الأخلاقي المحيط بالرضا والاغتصاب

وهكذا، ومع وجود نطاق أخلاقي محدد يُسمح فيه للمرأة بالتحرك، فإن حيادها عنه، مثلًا عبر ارتدائها لبس معينًا، يفتح الباب لمزيد من التعقيدات. ففي نظر المجتمع، تكون قد وسمت نفسها بأنها منبوذة. وضعت نفسها، ومن حولها، في منطقة لم تعد فيها الأخلاق المتعارف عليها قائمة. أصبحت في البرّية، ولن يشملها بعد ذلك نظر المجتمع الحمائي. تصبح الفكرة أن: بما أنها خرجت طوعًا عن النطاق الأخلاقي الذي يعرفه الجميع، فإن كل العواقب تقع عليها فقط.

الموافقة بالجنس هنا أصبحت مفترَضة.

الاغتصاب يصبح أكثر غموضًا في ظل هذه النظرة. فقد تخلّت عن عفتها، وليس بالطريقة الشرعية، وهذا يخلق فصلًا أخلاقيًا في الفعل المرتكب. قد يقنع الرجل الذي اغتصبها نفسه بسهولة أنه لم يرتكب خطأً كبيرًا، وأن الذنب ذنبها هي. وإلا كيف تُفسَّر جرائم الشرف؟ فإذا كانت المرأة التي اغُتصبت هي من تُقتل، لا الرجل الذي اغتصب، فكيف يمكن تفسير ذلك على نحو آخر؟

أردتُ في هذا المقال أن أناقش نظرة العقل العربي إلى الجنس، والمشكلات التي يؤدي إليها. وأود أن يستمر هذا النقاش، وأكرر أن "شجون" مجتمع مفتوح، وأشجعك على كتابة شيء حول هذا الموضوع. وبما أن هذا موضوع ثقيل، أود أن أختمه باقتباس جميل من فدوى طوقان، يبيّن قيمة اختلاط مجتمعنا وتعارفه ببعضه بعضًا.

"أن نعرف الحياة ونلمسها معناه أن نعرف الناس ونلمسهم . أن نصطدم بالأخرين، ان نضع أصبعنا على ما فيهم من رقة وخشونة وحب وكره، وضعف وقوة، ونبل وحقارة، وصدق ورياء وكل ما هو خليط من التناقضات. وكانت هناك، الى هذا الجانب، الضريبة الغالية الثمن التي لا مهرب من أن يدفعها المرء، وهي طيبة القلب والبراءة."