هذه المقالة هي الجزء الأول من سلسلة من أربعة أجزاء بعنوان العلوم الإنسانية عديمة الفائدة.
هدر المال والجهد
تتطور التكنولوجيا بسرعة هائلة، ويكشف العلم عن أسرار كونية جديدة كل أسبوع، وتحقق الشركات أرباحاً تفوق الناتج المحلي الإجمالي لدول بأكملها. في عالم مهووس بالعملية والإنتاجية وقيمة المساهمين، لا يبدو أن العلوم الإنسانية تقدم أكثر من نثر متكلف مكدس فوق أكوام من الورق (والجناس). يبدو المهندس الذي يبني جسراً أكثر قيمة بكثير للمجتمع من فيلسوف يتحدث عن «علينا أن نبني الجسور لا الجدران». لكن المجتمع لا يتخذ موقفاً محايداً تجاه العلوم الإنسانية فحسب، بل أصبح يكن لها الاستياء.
هل تحتاجون حقا إلى مالي من أجل هوايتكم السخيفة؟
كان الناس ليتركون العلوم الإنسانية وشأنها ويواصلون القيام بأشياء مفيدة. لكن المشكلة هي أن العلوم الإنسانية تأخذ من أموالهم. فعندما يرى الناس آلاف الدولارات من الأموال العامة تتدفق إلى أقسام العلوم الإنسانية، لا يسعهم إلا أن يتساءلوا عما إذا كان من الممكن إنفاق أموال ضرائبهم بشكل أفضل على المدارس أو المستشفيات، أو حتى أكشاك الشاورما الحكومية العامة. إليكم بعض التعليقات الغاضبة من أناس حقيقيين في الشارع (اخترعتها بالكامل) يعبّرون عن قلقهم من إنفاق الحكومة مبالغ طائلة على برامج العلوم الإنسانية:
«زوجة ابنة جارتي، ابنة عمّ رجل تعرفه، تعرف رجلاً آخر يعمل في محطة الوقود في البلدة المجاورة، أخته ربحت اليانصيب. يا لَحسرتي. على أي حال، جارتي نفسها تقضي عامها الثاني عشر في دراسة الدكتوراه، التي تركز على تاريخ كتب الطبخ في العصور الوسطى. أنا متأكد أن توست الأفوكادو تبعهم كان خرافياً، لكنني لا أريد لأموال ضرائبي أن تموّل رغبات أحدهم الليلية. اشترِ لنفسك توست أفوكادو مع أفوغاتو، بحق الله.»
«واعدتُ ذات مرة شخصاً يدرس الأدب وكان يكتب أطروحة عن يقظة فينيغان لجيمس جويس. إذا كنت تريد مشاركة أفكارك حول كتاب، فانضم إلى نادٍ للقراءة. من يهتم برجل اسمه فينيغان، ناهيك عن كونِه يستيقظ أم لا؟ أنا لم أقابل حتى شخصاً واحداً اسمه فينيغان طوال حياتي.»
«أنا مجرد سبّاك متواضع؛ ومع ذلك، فأنا أدرك أهمية الفنون والعلوم الإنسانية في إضفاء التنفيس على التجربة الإنسانية. ولكن لا بد من الإقرار بعبثية بعض أنواع المساعي الأكاديمية ضمن هذه التخصصات. ماذا يمكن أن تكون، بالله عليكم، أهمية تحديد الفرق بين تقنيات التلميع لدى ميكيلانجلو ودافنشي؟ في هذا المشهد المسرحي من عدم المساواة في الثروة، والظلم الاجتماعي، وتغوّل الحكومة، هناك قضايا أكثر إلحاحاً من جدوى الشكلانية الروسية مقارنة بالتحليل النفسي في النقد الأدبي. عندما ينفجر أنبوب، أصلحه، ولم تمنحني الحكومة أي منحة أثناء تدريبي. وأنا شخصياً أحب أن أنغمس في الفنون والفلسفة والأدب. لكنني أفعل ذلك في وقت فراغي، وأجد أشخاصاً أتحاور معهم وأشاركهم تأملاتي في اجتماعات نوادي القراءة والبودكاست. تصل أفكاري إلى آلاف الأشخاص الذين يستفيدون منها. لكنني لا أعتقد أن أموال ضرائبنا ينبغي أن تُنفق على هذه الأمور التدقيقية المتفلسفة التي تجري في أقسام العلوم الإنسانية، في حين يمكن إنفاقها بحكمة أكبر على السلع والخدمات العامة.»
في حين قد يرى موظف في مجال التكنولوجيا أو التمويل عادي أن كل دقيقة تُقضى في أي شيء سوى زيادة قيمة المساهمين هي مضيعة للوقت، فإن معظم الناس يدركون بالفعل قيمة الفن والعلوم الإنسانية. فالناس يفهمون أهمية محو الأمية. فالنساء العربيات المعاصرات، على سبيل المثال، يحتفين برواية لطيفة الزيات الباب المفتوح بوصفها وسيلة للتعبير عن معاناتهن في مجتمع أبوي، والتأكيد على ضرورة النضال والمقاومة على المستويين الجماعي والفردي. والناس يقدّرون قيمة الفن. فالأوروبيون المعاصرون، على سبيل المثال، يستطيعون رؤية مدى استمرار أهمية لوحة ويليام هوغارث تسوية الزواج في نقدها للزواج القائم على المصالح والمقايضة، لا سيما اليوم حين نحب أن نعتقد أننا نتزوج من أجل الحب.
مشكلة الناس مع العلوم الإنسانية على المستوى المجتمعي هي أنها تستنزف الموارد العامة. فالناس يدركون أهميتها، لكنهم يفضلون أن يتابع الأفراد اهتماماتهم في العلوم الإنسانية في أوقاتهم الخاصة وعلى نفقتهم الخاصة، بعد يوم منتج في وظيفة «حقيقية»، من دون استخدام الأموال العامة، وأن يتكرموا بتعليم ما يعرفونه مقابل أجر معقول لمن يرغب في التعلم، أو أن يشاركوه مجاناً عبر الإنترنت. مشكلتي هي أن المجالات الأخرى لا تُعامل بهذه القسوة. ورغم أن أبحاث وتخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) لا تُعامل بشكل أفضل بكثير، فإن المجتمع لا يزال يدرك أن بعض الأموال العامة على الأقل يجب أن تُضخ في المختبرات إذا كان يريد أن يرى علاجاً للسرطان أو تلك السيارات الطائرة اللعينة ذات يوم. بل إن كثيرين يفهمون أن ثمن التقدم العلمي يتضمن الوصول إلى الكثير من الطرق المسدودة.
أفضل أن أحصل على جسر بدلا من لوحة لجسر
كانت «جسور كونيغسبرغ السبعة» مسألة رياضية قديمة اعتبرها الرياضيون الجادون تافهة، إلى أن أصبح حلها أساساً لأنماط الطيران والملاحة عبر الأقمار الصناعية. كانت مدينة كونيغسبرغ البروسية مقسومة إلى نصفين بواسطة نهر تقع فيه جزيرتان صغيرتان. وانتشرت مسألة تسأل عمّا إذا كان بإمكان المرء زيارة كل جزء من أجزاء المدينة من دون عبور أي جسر أكثر من مرة واحدة. (هيا، جرّب حل المسألة الظاهرة في الصورة أعلاه!) في عام 1735، حلّ عالم الرياضيات السويسري ليونهارت أويلر المسألة. لن أزعجكم بالتفاصيل الرياضية. لن تفهموها على أي حال، فأنت تدرس العلوم الإنسانية. لكن الحل له علاقة بالأعداد الفردية والزوجية، وقد أثبت أويلر رياضياً أن المسألة لا تملك حلاً صالحاً، وطوّر نظرية الرسوم البيانية لتحقيق ذلك. في ذلك الوقت، لم تكن لنتائجه أي فائدة عملية (باستثناء إحباط سكان كونيغسبرغ الذين كانوا ينتظرون حلاً لمسألتهم المحلية)، لكن بعد قرون، أصبحت نظرية الرسوم البيانية أساساً لأشياء نعتمد عليها يومياً، مثل الملاحة باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وإدارة الرحلات الجوية التجارية، وتوجيه البيانات. يفهم معظم الناس أن التطور العلمي يزدهر عندما يُسمح للعلماء باتباع فضولهم حتى عندما يقودهم إلى طريق مسدود، وأنهم قد لا يجدون استخداماً عملياً فورياً لاكتشافاتهم. فكل طريق مسدود يعلمنا ما الذي لا ينبغي فعله في المرة القادمة، وقد يقود اكتشاف يبدو نظرياً بحتاً اليوم إلى تطور تكنولوجي غداً.
لكن هذا الموقف لا يُمنح للعلوم الإنسانية. والسبب هو أن العلوم الإنسانية تفيد جوانب مختلفة تماماً من حياتنا مقارنة بمجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وليس من السهل بالقدر نفسه ملاحظة فائدتها. يتساءل الناس: «هل يستطيع الفيلسوف بناء جسر؟ هل يستطيع المؤرخ اكتشاف طريقة للسفر عبر الزمن، وأخيراً يخبرنا ما قصة مكتبة الإسكندرية بالضبط (ما زلت غاضباً بشأنها)؟ هل يستطيع عالم الإثنوغرافيا اختراع تلك السيارات الطائرة اللعينة التي نطالب بها منذ سنوات؟» يعتبر الناس الأشياء مفيدة عندما يستطيعون رؤيتها بأعينهم والاستفادة منها مباشرة. فهم يفضلون وجود جسر في مدينتهم على لوحة جميلة لجسر، أو، والأسوأ من ذلك، بحث في تاريخ الفن عن لوحة لجسر. بل إنهم يفضلون أن يطوّر عالم رياضيات نظرية تأسيسية وهو منشغل بحل لغز يتعلق بالجسور.
الرأسمالية! الرأسمالية هي السبب دائما
تحدثت عن أن عامة الناس مستاؤون من العلوم الإنسانية فقط لأنها تستهلك الأموال العامة. لكن الرأسماليين الذين يديرون العالم لديهم أسباب أكثر خبثاً لامتعاضهم من العلوم الإنسانية. عالمنا رأسمالي بعمق، وهو يصر على أن تكون القيمة مادية، ومرئية، وملموسة، وواضحة، وفورية. ذلك لأن الرأسمالية نظام صممه الرأسماليون لتحقيق الأرباح لأنفسهم، غالباً من خلال استغلال العمال والموارد. ولذلك، لكي يعتبروا شيئاً ذا قيمة، لا بد أن يحقق لهم أرباحاً فورية. وتحظى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ولا سيما الأجزاء المتعلقة بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة، بمباركة الرأسماليين لأنها قابلة للاستغلال لتحقيق الأرباح من خلال صناعات مثل الرعاية الصحية والتكنولوجيا والبناء.
أما العلوم الإنسانية، فلا تحقق الكثير من الأرباح المادية للرأسماليين، بل توفر رأس مال فكرياً وعاطفياً واجتماعياً وروحياً للبشر. الاسم نفسه يقول ذلك؛ إنسانيات. ولهذا يصر الرأسماليون بشدة على فكرة أن العلوم الإنسانية ينبغي، في أحسن الأحوال، أن تُعتبر مجرد مجموعة من الهوايات الجميلة الصغيرة والمعلومات الطريفة التي ينشغل بها المرء في أوقات فراغه، وأن يُبقي المبلغ الذي يُنفق على تمويلها عند الحد الأدنى أو يُقطع تماماً. لكن الرأسماليين لا يحتقرون العلوم الإنسانية لمجرد أنها لا تدرّ أرباحاً، بل لأن العلوم الإنسانية يمكن أن تقف في وجه إثراء الأغنياء أصلاً، وأن توقظ البروليتاريا على حقيقة استغلالها.
الكثير من الأشياء التي نعتبرها مسلّمات في العالم الحديث جاءت من العلوم الإنسانية. فالديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية ليست نتاج الكيمياء أو الرياضيات. وقد لعبت العلوم الإنسانية دوراً كبيراً في الحركات الاجتماعية في القرن الماضي التي ناضلت ضد الاستغلال الرأسمالي وحسّنت حياة الناس. فالنسوية، وهي أحد فروع العلوم الإنسانية، حررت النساء من التبعية المالية ومنحتهن الحق في كسب أموالهن والاحتفاظ بها. وقد استشهد قادة حركة الحقوق المدنية الأمريكية، الدكتور مارتن لوثر كينغ الابن ومالكوم إكس، بفلاسفة من أفلاطون إلى هيغل لتدعيم حججهم حول مساواة جميع البشر، وهما نفسيهما يُستشهد بهما اليوم في أبحاث العلوم الإنسانية. وخريجو العلوم الإنسانية هم من يكتبون اليوم الكتب عن الإبادة الجماعية في فلسطين والسودان وفي أنحاء العالم كافة.
صحيح أن الطب والبناء والتكنولوجيا كلها شديدة الأهمية لمجتمع سليم وقادر على أداء وظائفه، لكنها لا تضع سوى الأسس الأساسية التي يمكن أن تُبنى عليها حياة كريمة. ما الفائدة من بناء منطقة سكنية إذا كنت لا تستطيع بناء مجتمع سليم من الناس ليعيش فيها؟ وما الفائدة من أن يطيل الطب حياة الإنسان إذا كنا سنعيش سنوات إضافية من البؤس؟ وما الفائدة من أن تجعل التكنولوجيا حياتنا أكثر سهولة إذا كانت تشتتنا أيضاً عن إيجاد الغاية والمعنى؟
المهندس يبني لنا جسراً، لكن الرسام يريك كيف يدمر هذا الجسر حيّ المهاجرين (تابعوا الجزء الثاني، حيث أناقش لوحة من هذا النوع). يكتشف الفيزيائي استخدامات جديدة للطاقة النووية، لكن المؤرخ يخبرك كيف سيُستخدم ذلك لصنع قنابل أكبر. يصف الطبيب النفسي دواءً للاكتئاب، لكن ذلك ليس كافياً. فإلى جانب الدواء، تحتاج إلى مجتمع وغاية في الحياة من أجل صحة نفسية جيدة، والفيلسوف يستطيع أن يريك كيف. وعالم الأنثروبولوجيا هو من يحذرك من أن السياسي الذي أنت على وشك التصويت له سيرحّلك أولاً قبل أي شخص آخر. وعالم فقه اللغة يريك كيف تتلاعب النخب بالسرديات الثقافية لقمع أصوات المظلومين. ويُريك عالم الكلاسيكيات كيف تُستخدم أساطير الماضي لإخفاء طغيان الحاضر. تبني الشركات العملاقة محطات للطاقة، لكن عالم الإثنوغرافيا يريك كيف سيقضي السد الجديد على مصدر رزق القبيلة الأصلية التي تعيش في اتجاه مجرى النهر.
في هذا الجزء، هدفت إلى توضيح استياء المجتمع من العلوم الإنسانية وسوء فهمه لها. كما تطرقت إلى سبب إصرار الرأسمالية على اعتبار العلوم الإنسانية عديمة الفائدة في عالم تحكمه الأموال والأرباح. في الأجزاء التالية، سأتعمق أكثر في الدعاية الرأسمالية ضد العلوم الإنسانية، وسأقدم أمثلة مفصلة على مدى الفائدة الكبيرة التي تعود بها العلوم الإنسانية على المجتمع، ولماذا ينبغي تمويلها أيضاً، كما سأتطرق إلى الفنون وفوائدها للمجتمع وللفرد. أما فيما يتعلق بشهادة العلوم الإنسانية باهظة الثمن التي أبقتك عاطلاً عن العمل، فلدي بعض الأفكار حول كيفية الاستفادة منها لبناء حياة كريمة، وربما كسب عيش لائق.