حمزة العقّاد — 5/07/2026 — لندن
في عرضٍ موسيقي، دايما بسأل حالي نفس السؤال. هل بيزهق الموسيقيار من لعب الأغنية نفسها؟ بطلع على وجه عازف الغيتار وهو يعزف منفرده(solo) ، وبشوف كل ملامحه بتتغير. وبفكر: مستحيل هيك هو كل مرة. هو بيعزف كل ليلة، وغالبًا الأغاني نفسها. لا بد أن الأمر بطل يعنيله اشي هلق. هي روتين يؤديها، لأنها وظيفته.
بس أتوقع أن هذا السؤال للموسيقي سؤال غبي جداً. زي لو حد سألني لو بزهق أنا من الكتابة. الكتابة تجسيد لمشاعري. إنها حاجة، بدونها مشاعري بتغلي تحت السطح لحد ما تفقع. من دون الكتابة ما بقدر أكون إنسان كامل ومكتمل، ولا بكون ذاتي في العالم الخارجي. ولا بد أن الموسيقيين بحسوا بنفس الشي. كل وتر بضرب على الغيتار هو عاطفة تُطلَق إلى الخارج.
وهاد ليش مستحيل يقنعني الي بقول أنه أي حد بيقدر يلعب موسيقى. لما أقول: «يريتني بعرف كيف أعزف»، ويجيبني واحد بتشجيع: «بتقدر!». لا، لا ما بقدر. صحيح، ممكن أتعلم كيف أحرك يدي بطرق مختلفة لأصدر أصوات مختلفة. بس شو ما عملت مستحيل أعزف الموسيقى فعليا. شو ما عملت مش رح أعبّر عن مشاعري من خلال آلة موسيقية. طريقتي هي الكتابة، ولكل إنسان طريقته الخاصة في التعبير الكامل عن ذاته.
بس، بوصفي فردًا من الجمهور، بحب الموسيقى. بحب أشوف شخص تاني بعبّر عن نفسه بهاي الطريقة. وأعتقد أن في نقص للموسيقى في منطقتنا. في الأردن، على الأقل، نادرًا أنك تمشي في شارع حيوي وتلاقي موسيقى تُعزف. وأجد ذلك محزن. هذا فن متاح للجميع بسهولة، ومع هيك بضل في نقص فيه. نفسي أفهم هاي الرقابة الذاتية الي منمارسها على الفن. الفن يعاق بشدة عندنا.
الفن بطبيعته غير ممتثل. والخوف المسيطر في مجتمعنا، وفي معظم المجتمعات، هو أنك ما تبعد كتير عن القطيع. هناك رأي عام، وهناك رأيك أنت. ما بسير رأيك يبتعد كثير عن الرأي العام. وهيك منراقب أنفسنا بأنفسنا، ونعاير البوصلة، حتى نجبر آراءنا على أن تتوافق مع السرب. وشو الواحد ممكن يكذب على حالوا عشان يقتنع. كذب فوق كذب.
لما تنتج فن، أي فن، يعني أنك بدأت رحلة تقبّل الذات. وفي البداية يكون الأمر محرجًا على نحوٍ جسديّ عميق. بتحس وكأنك شالح في نص وسط البلد والكل بيضحك عليك. «مش المفروض حدا يشوفني زي هيك! بنفعش حدا يشوف هذا الجانب مني»، ممكن تفكر. بتكره صوتك، وبتشوف حالك في أعطل صورة ممكنة، وعقلك ببثلك أسوء آراء أنت بتحملها عن حالك. بس مع كل شي تنتجه وتشاركه، بتريح بالك. وبعد الراحة بيجي التقبل، وبتفهم أن الفن حرزان. ممكن لأول مرة تتطلع على المراي وما تكره حالك. الكره يتلاشى والتقبل بياخد مقعده.
بتشوف نفسك زي ما انت، بصفاتك وعيوبك، وعادي يا سيدي!.
اقتباسي المفضل لطه حسين، والي حاولت أحفظه من كتر ما كان يعنيلي، هو:
«للناس مذاهب مختلفة في تخفيف الهموم والتخلص من الأحزان. فمنهم من يلتمس الراحة منها في القراءة، ومنهم من يلتمسها في الرياضة، ومنهم من يلتمسها في الاستماع إلى الموسيقى والغناء، ومنهم من يذهب إلى غير هذه الوسائل، وكلهم يفعلون ذلك لينسوا أنفسهم فترة من الزمن، ويفروا من حياتهم الحاضرة وما تثقلهم به من أعباء.»
لازم تلاقي مذهبك أنت، ما حد رح ييجي يقلك أنت كاتب أو أنت رسام أو أنت شاعر أو أنت معلم شاورما
وعشان هيك، زي ما أنا بعيد بنفس الكتاب أكثر من مرة، مفتونًا به أكثر من المرة الماضية، أو بعيد في كتابة العبارة نفسها مرارًا وتكرارًا من دون ما أزهق، رح يحس الموسيقيار بنفس الشي وهو بيعزف الأغنية ذاتها كمان مرة. فش ملل. ما تحبه يمكنك أن تكرره بلا نهاية. تفعل الشيء نفسه كل يوم من أجل الأشخاص الي بتحبهم. توصل أطفالك إلى المدرسة كل يوم، لأن الحب يكمن في التكرار. وقد يكون الاثنان شيئًا واحدًا. المصور ممكن يضل ياخد صورة لنفس الشجرة كل يوم، يراقب كل ورقة كيف اختلفت. وقد يرسم الرسام المزهرية نفسها طول حياته.
الحب هو أيضا ذلك النوع من التفاني، سواء كان تفانيًا في الفن أو في شخص. ومن هاي الناحية، فحبك لشخص آخر فن. إنه فن حيّ يتنفس ويتطور وأصدق أنواع الفن. نقص الحب هو نقص في الفن، ونقص الفن هو نقص في الحب.
وهاد ليش لازم نسمع الموسيقى في شوارعنا.
«وللناس مذاهب مختلفة في التخفف من الهموم والتخلص من الأحزان، فمنهم من يتسلّى عنها بالقراءة، ومنهم من يتسلّى عنها بالرياضة، ومنهم من يتسلّى عنها بالاستماع للموسيقى والغناء، ومنهم من يذهب غير هذه المذاهب كلها لينسى نفسه ويفر من حياته الحاضرة وما تثقله به من الأعباء.»
«فنحن لم نخلق عبثًا ولم نترك سدى، ولم نكلف إرضاء الناس عنا، وإنما خلقنا لنؤدي واجباتنا وليس لنا بد من تأديتها، فإن لم نفعل فنحن وحدنا الملومون وعلينا وحدنا تقع التبعات.»
- طه حسين، 15/12/1954