عمر هارون — 1/07/2026

أصدقائي،

قبل أيام، كنت جالسًا في العمل مع أربعة من زملائي اللبنانيين، وتصادف أنهم كانوا يناقشون حال بلدهم اليوم، وكيف يمكن للبنان، بعد كل ما مرّ به من أزمات وانقسامات وتراكمات، أن يجد طريقًا للخروج من واقعه الحالي. وكل واحد منهم، بطبيعة الحال، كانت لديه رؤيته الخاصة لما يجب أن يكون عليه الحل.

كان في النقاش شيء جذبني جدًا. الأربعة ينتمون إلى ثلاث خلفيات مختلفة، وهي نفسها تقريبًا من المكونات الأساسية التي يقوم عليها لبنان اليوم: اثنان من الشيعة، أحدهما يحمل الجنسية الأمريكية أيضًا، وماروني، وسني من بيروت. ونقاش كهذا، بصراحة، كيف لا يثير فضول أي شخص مهتم بالمنطقة؟

في نهاية الحديث، كان هذا تقريبًا ما فهمته من مواقفهم:

  1. الأمريكي كان مؤيدًا لحزب الله بالكامل ومعاديًا للصهيونية، ويرى في الحزب القوة التي تقف بين إسرائيل وبين احتلال لبنان بصورة أوسع.
  2. أما الشيعي الآخر فلم يكن مهتمًا لا بحزب الله ولا بإسرائيل. كل ما كان يريده هو دولة لبنانية مستقرة يعيش فيها الناس بسلام.
  3. السني من بيروت كان قريبًا من هذا الموقف، لكنه كان واضحًا في نقطة واحدة: مهما حصل، لا تطبيع مع إسرائيل.
  4. أما الماروني، فكان موقفه بالنسبة لي أقرب إلى الصهيونية مما توقعت. لم يبدُ منزعجًا كثيرًا من احتلال إسرائيل للجنوب، ما دام يتصور أن النتيجة النهائية ستكون خروج إسرائيل وحزب الله منه معًا. وكان متمسكًا بفكرة أراها ساذجة إلى حد ما، وهي أن الإسرائيليين، بمجرد أن “تنتهي العملية”، سيجمعون أغراضهم ويغادرون الجنوب.

وظللت أعود في ذهني إلى موقف الماروني.

ليس لأنه كان الأعلى صوتًا، فلم يكن كذلك، وإنما لأنه كان الموقف الوحيد الذي لم أستطع أن أستوعبه مهما حاولت أن أراه من زاويته.

رجل يرى جيشًا أجنبيًا على أرض بلده، ومع ذلك يجد في وجوده شيئًا من الاطمئنان، لأن العدو الذي يخشاه أكثر يحمل جواز السفر نفسه الذي يحمله هو؟

هذه تحديدًا لم تدخل رأسي.

هو أجرى حسابته وقرر أن الإسرائيلي ضيف سيغادر في النهاية، بينما حزب الله ساكن لن يغادر أبدًا. مع أن التاريخ، عندما يتعلق بالطرف الأول، أثبت مرارًا أن الأمور ليست بهذه البساطة.

لا يمكن المبالغة في تعقيد الطيف السياسي العربي، وهذا الأمر لا يخص لبنان وحده، بل يمتد إلى الشرق الأوسط كله.

قبل ثلاثين سنة، كان بإمكانك أن تضع سوريًا وعراقيًا جنبًا إلى جنب، كلاهما بعثي، ومع ذلك تجد كل واحد منهما يكره الآخر، وكل واحد مقتنع بأن بعثه هو البعث الحقيقي وأن الآخر حرّف الفكرة.

وفي الأردن، قد تجد فلسطينيًا مؤيدًا للملكية، ومع ذلك قد ينظر إليه أردني “أصيل”، مؤيد للملكية هو الآخر، على أنه في النهاية مجرد ثوري “بلجيكي”.

ثم ضع فلسطينيين في غرفة واحدة، كلاهما مستعد لأن يقدم حياته بلا تردد لتحرير الأرض نفسها، وشاهد كيف يمكن أن يكره أحدهما الآخر لأن الأول يرفع راية فتح والثاني راية حماس.

لا أستطيع أن أستنتج من كل هذا إلا شيئا واحدا:

في منطقتنا، المعتقد السياسي لا يكون دائمًا مبدأً ثابتًا بالطريقة التي نحب أن نتصورها. أحيانًا يكون أشبه بثوب يرتديه الإنسان ويفتخر به، إلى أن تأتي اللحظة التي يصطدم فيها ذلك المبدأ بدمه أو شرفه أو هويته. عندها يسقط الثوب، ويظهر ما كان تحته طوال الوقت: طائفته، قوميته، اسمه.

خذ مثلًا الليبرالي الذي يدعم حماس.

يمكنه أن يحدثك ساعة كاملة عن حقوق الإنسان، وعن كرامة الفرد، وعن حرية المرأة في أن تلبس ما تشاء وأن تحب من تشاء، وهو فعلًا يؤمن بكل كلمة يقولها.

ثم ترفع حماس بندقيتها باسم فلسطين، فيصمت الرجل نفسه عن أشياء كان قبل لحظات يعتبرها مبادئ لا يمكن التنازل عنها، لأن حماس تقاتل من أجل القضية، والقضية عنده تتقدم على المبدأ.

هو يعرف أن حماس لو حكمته ستسلبه الكثير من الحريات التي يعيش بها. يعرف أن حماس لن تسمح يومًا بإقامة شيء مثل Boiler Room. ويعرف أنه تحت حكم حماس لن يستطيع أن يعيش أو يعبّر عن نفسه وإبداعه بالطريقة التي يريدها.

هو يعرف أنهم، بكل معنى للكلمة، عدوه الأيديولوجي.

ومع ذلك سيدعمهم. لأن كونه فلسطينيًا أعمق فيه من كونه ليبراليًا، وعندما يصطدم الاثنان، ينتصر الفلسطيني في كل مرة

القومية العربية سيطرت على المنطقة من منتصف الخمسينيات تقريبًا وحتى نهاية القرن الماضي. ملايين العرب كانوا يطالبون بإزالة الحدود، وبأن يتوقف الإنسان عن تعريف نفسه بأنه مصري أو سوري أو سعودي، وأن يكون ببساطة “عربيًا”. كانوا يحلمون بأمة عربية واحدة تمتد من المحيط إلى الخليج.

ومع ذلك، قد يكون الرجل نفسه الذي يريد إزالة الحدود بين الدول العربية مستعدًا لأن يموت قبل أن يسمح لأخته بالزواج من شخص من طائفة أخرى

ولن أتظاهر بأن قومي أبرياء من هذا التناقض. الكردي سُحق، وقُصف بالغاز، وأُنكر وجوده، وتعرض للخيانة تحت رايات كثيرة مرت فوقه، ومن حقه أن يريد وطنًا خاصًا به.

لكن اجلس معه بما يكفي، وقد تجد أن الحرية التي يطالب بها لنفسه ليس بالضرورة مستعدًا لأن يمنحها بالقدر نفسه للتركماني أو الإيزيدي أو الآشوري الذي يعيش على الأرض التي يعتبرها اليوم أرضه.

وأني نفسي عراقي. أحب أن أعرّف نفسي بأنني عراقي. لكن أبي كردي، وأمي عربية سنية من بغداد.

إذا ذهبت إلى الكرد، يراني البعض عربيًا ولا يعتبرني واحدًا منهم. وإذا جلست مع عربي، قد يهينني ببساطة بأن يناديني كرديًا.

إذن أني منو و شنو؟

أقول عن نفسي “عراقي”.

لكن بالنسبة للعربي قد لا أكون أكثر من كردي غبي، وبالنسبة للكردي قد أكون خائنًا اختلط دمه بدم عربي يراه أقل منه. شنو هاي أصلًا؟

جدتي من جهة أمي، إلى يومنا هذا، بعثية متشددة تؤمن بأن صدام فعل ما كان ضروريًا للحفاظ على استقرار الدولة العراقية. وإذا كان هناك شيء زادها اقتناعًا بذلك، فهو الفساد والاقتتال والتمرد الذي التهم العراق من 2003 إلى 2019.

وأبي كردي.

شلون تجتمع هذه الأشياء كلها أصلًا؟ وفوق كل هذا، اسمي عمر.

في عام 2006، اضطرت عائلتي إلى مغادرة بغداد ولم تعد إليها، فقط لأن الميليشيات الشيعية كانت تقتل الناس على أساس أسمائهم. فالطفل السني الصغير من بغداد، نصفه كردي ونصفه عربي، واسمه عمر، لم تكن لديه فرصة كبيرة من البداية.

ربما كانت جدتي على حق.

كيف تحكم مكانًا مثل العراق من دون قبضة حديدية كقبضة صدام تمسك بالمنظومة كلها؟ أفكر في هذا السؤال أكثر مما ينبغي. كيف تقود شعبًا قد يرفض نصفه أن يعتبرك واحدًا منه بمجرد أن يسمع لسان أبيك أو يقرأ اسمك الأول؟ وكيف يمكن أصلًا أن توجد نسخة مني يقبل بها جميع العراقيين؟ أو حتى جميع العرب؟ هذه النسخة غير موجودة.

لن تكون هناك نسخة “مثالية” مني تحقق تعريف الجميع لما يجب أن يكون عليه العراقي، مثلما لا يوجد أصلًا شيء اسمه العراقي المثالي. هو ببساطة غير موجود.

ما يبقى هو التناقض نفسه، أن تحمله معك بشكل علني، كما تحمل اسمًا لم تختره. الطفل الصغير من بغداد كان عربيًا في عيون الكرد، وكرديًا في عيون العرب، وميتًا في عيون الميليشيات. وللأسف، ربما لن يُنظر إليه يومًا بالطريقة الوحيدة التي يريد أن يُنظر إليه بها: عراقيًا. العرب والكرد والعراقيون جميعًا، بشكل أو بآخر، محكومون بهذا التناقض.

Logo