حمزة العقّاد — 26/06/2026 — لندن
"هو معروف عني ويعاب علي، وكتير يقولولي الفن مش كدا. الفنان ما يمكنش يكون منظم. الفنان فوضوي وسائر"
هذه كلمات الفائز بجائزة نوبل للآداب لعام 1988. من الصعب أن نتخيّل كيف يمكن للمرء أن يمارس عملًا إبداعيًا بينما يوازن بينه وبين وظيفة عادية «مملّة»، لكن نجيب محفوظ، في هذه المقابلة، يقدم لنا رؤية عملية حول الطريقة التي فعل بها ذلك.
"الحقيقة أنا فرض علي التنظيم من تعدد الهويات . حتى وأنا طالب… ليه؟ لأن كنت عاوز أكون طالب يجب ينجح لأن ظروف حياتي ما تسمحش بالسقوط." في الوقت نفسه أنا راجل لعيب كورة فيجب ألعب. وأحب السينما يجب أروح سينيما يوم الخميس. وأحب اسمع ام كلثوم يجب أسمع ام كلثوم.
"ازاي تجمع دول؟"
يا لها من طريقة لتأطير المسألة. يبدو أننا مطالبون بأن نُختزل في شيء واحد. أنت مهندس، ومن المستحيل أن تكون أي شيء آخر. ومع ذلك، فإن البشر متعددو المواهب بشكل مذهل.
هناك مصوّر اسمه بيتر ميتشل، بدأ التقاط الصور عام 1970 عندما كان يعمل سائق شاحنة. ومن هذه الزاوية، فإن نظرتنا إلى الطبقة الاجتماعية تنتقص مما يمكن أن يكون عليه الإنسان. بل وقد يتبنّى الإنسان هذه النظرة عن نفسه أيضًا.
صورة لبيتر ميتشل تُظهر عمال بناء في (Quarry Hill)
خصوصًا في العالم العربي، أعتقد أن الإنسان يُختزل بالكامل بناءً على ما يفعله. بناءً على عائلته ومكانتها الاجتماعية. بناءً على لهجته. لكن العظماء كانوا عظماء لأنهم حرّروا عقولهم من التعريفات التي يفرضها عليهم الآخرون. لقد رأوا أنفسهم كما هم. طه حسين، الذي تُعد سيرته الذاتية الأيام واحدة من أفضل الكتب التي قرأتها في حياتي، رفض أن يكون الشخص الذي أراد الناس منه أن يكونه.
فتى كفيف من عائلة فقيرة وريفية، لم يكن يُنتظر منه في الحقيقة سوى أن يحفظ القرآن... لكنه رفض ذلك. لقد رأى نفسه كما هو. وأصبح أول مصري يحصل على درجة الدكتوراه .ليس أول مصري كفيف. بل أول مصري على الإطلاق. من السهل أن تحلم بأن تصبح شخصًا آخر، لكن أن تفعل ذلك فعلًا شيء آخر. وهنا تكمن الخلاصة العملية لسؤال محفوظ: "ازاي تجمع دول؟"
"بالتنظيم.
بعد كدا لما توظفت كان كل المتاح لي الفترة بعد الظهر فاما انظمها اسقط نفسي وأكتب أو راحت وخصوصا أن حب الثقافة والقراءة لم أنقطع عنه الى اللحظة الي بكلمك فيها. فكان لا بد من أن اتنظم"
فالتنظيم ده فرض علي فرض عشان خاطر حياتي الأدبية.
"حقيقة الي بقولوا عليه هنا صح يعني أنا كان سعات اقلق باليل على الساعة ٣ الاقي روحي [لم أستطع أن أتبين ما يقوله هنا]. لكن عارف رح اصحى الصبح اروح وزارة الأوقاف ضروري وأمضي في الساعة فأسيب النشوة دي وأنام"
“كان للكتابة وقتها: بين الرابعة والسابعة.”
بتعود بقى بتيجي وبقت النشوة تيجي. هذه النقطة الي بتغيب عن كتير ... زي لما تعود نفسك أن الغذاء ساعة ٢، ٢ الا ربع تلاقي روحك حتموت من الجوع. فهي المسألة خطأ أنك تظن أنني بكتب وأنا نفسي مش بالكتابة. ما حصلش إنما الرغبة دخلت التنظيم فبقت تيجي بوقتها.
"التنظيم لا يختلف عن التلقائية ليه؟لأن التنظيم مزلوق ب تلقائيات في ظروف عديدة"
"وأنت قاعد في القهوة بتحصل حاجة. وأنت بتاكل بتحصل حاجة. وأنت جاي تنام بتحصل حاجة . مش دي كلها تلقائيات؟ أما بتبقى عاوز التنظيم!"
أنا أحب هذه الحقبة الذهبية من الإبداع المصري. هذا كل شيء لهذا اليوم.