قدّمها حمزة العقّاد –٢\٩\٢٠٢٦
هناك مكان يُعدّ جوهرة من جواهر عمّان. يُسمّى «محل الماء»، لأن صاحبه، حمزة المعايطة، كان يؤمن بأن الكتب ينبغي أن تتدفّق بالسهولة ذاتها التي يجري بها الماء بيننا، وأنها لا تقلّ أهمية عن الماء.
يجمع حمزة الكتب النادرة ويبيعها من شاحنته الخالدة. كنت قد التقيت حمزة بضع مرات. كنا نتحدث في كل شيء، من تاريخ الأردن، إلى الرجولة والأنوثة، إلى أصول عائلتي. ذات مرة سألته إن كان يستطيع أن يجد لي كتاباً لم يُنشر إلا في الضفة الغربية، وما زال ذلك الكتاب متعذّر الحصول عليه حتى يومنا هذا. يناديني بلقب لم أسمعه قط من أحد سواه: «حُمز»؛ أظن أننا بحاجة إلى طريقة ما للتمييز بين اسمينا. لا أعرف ما الذي دفعني أنا وأصدقائي إلى جبل اللويبدة في الثانية صباحاً تلك الليلة، ولا أعرف لماذا كان حمزة لا يزال هناك بجانب شاحنته.
هذا الزلمة ما بنامش؟
هذا ما فكرت فيه بيني وبين نفسي. إن تفانيه فيما يحبّ أمر ملهم حقاً. الحديث معه متعة، فكلماته تتدفق كالماء. كنا نتحدث عن الواسطة في العالم العربي، وإذا به، من دون أن يتلعثم، يبدأ في القاء قصيدة لعلي بن أبي طالب (عن ظهر قلب):
كن ابن من شئت واكتسب أدباًيُـغْـنِيكَ مَـحْـمُودُهُ عَــنِ الـنَّـسَبِ
فـليس يـغني الـحسيب نـسبته
بــــــلا لـــســـانٍ لـــــه ولا أدب
إن الـفتى مـن يـقول هـا أنا ذا
لـيسَ الـفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي
عندما سألته إن كان يكتب شيئاً من تأليفه، أرسل إليّ هذه القصيدة المؤثرة، التي استلهمها من مأساة، لكنها مع ذلك مفعمة بالأمل على نحو ما. كانت مكتبته السابقة قد غمرتها المياه، كما ترون في الفيديو .
مفقود عثر عليه غريقيلفظ صفحاته الأخيرة
بعد أن انتهى الطوفان في عمان
وغيض الماء وقضي الأمر
واستوت الكتب على الرفوف
بدأت ليلتي ، ..
ليلتي لم تنتهي
منذ يومين امارس هوايتي ولن اكتفي
اغفو انسج رؤيا
اصحو أحققها
ليلتي فكرة عزفتها الأوركسترا
سمعت صداها سأردها وأرددها
احتضن صفحات ماتت
احيي بلغة العيون رسمها
اتصفح وجهها
ابحث فيها عن العبرة
اكنسها بأهدابي
امسحها بمقلة عيوني
اتحسسها بالماء
الليلة سنحيي الاموات
سنبعثهم تارة اخرى
ونضيء بحضرتهم نور منير
شعاع ينبثق من هناك
حيث سرداق الشموع
من اتاها نال قبس
او حتى
وجد عليها هدى
لقد تركني، وما زال يتركني، عاجزاً عن الكلام.
وبما أنني أعجز عن التعبير عن الأثر الذي تركته هذه القصيدة في نفسي، فسأحدّثكم عن المبادرة التي أطلقها حمزة انطلاقاً منها، بكلماته هو.
« الغلاف فقط... فما بالك بالمضمون . ان الغلاف هو شيء "مهم لتقييم الكتاب" . من اجل ذلك أطلقنا مبادرة احياء الموتى . تلك التي فقدت غلافها عبر سوء التخزين .. او غرقت وجرفها الفيضان كما حصل مؤخرا في "طوفان عمان ".. وقد انقذنا العديد من الأرواح ، عبر عمل غلاف من نوع واحد . اطلع على محتوياته لتحديد هويته ، وبعد ذلك اعمل له تصميم .. لائق . »
« فيحيى بإذن الله »
« التعطش للكتاب مثل التعطش للماء...فبعض الكتب القديمة تكون أغلفتها ممزقة فأبتكر لها غلافا جديدا بنفس الاسم بخط يدي واكتب اسم الكتاب ومؤلفه ودار النشر والمطبعة والسنة والمقدمة.. الخ، وذلك كي أُحيي الكتاب وبالذات اذا كان بطبعة قديمة ونادرة.. وذلك رغم ان بعض الكتب والمخطوطات يبدو عليها المظهر الرث والقديم، إلا أنني أقدر قيمة اي كتاب مستعمل يصل إليَّ ».
سأختتم هذا برابط لفيديو يظهر فيه حمزة وهو يلقي قصيدة من قصائده عن مكتبته، وعن مبادرة الماء التي أطلقها، تحت شعار: «خذ كتاباً استفيد، وادفع كما تريد».
ويمكنكم أيضاً أن تسمعوه يغنّي ويعزف على العود.